محمد بن جرير الطبري

41

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يغفره الله . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال " إلا " بمعنى الاستثناء المنقطع ، ووجه معنى الكلام إلى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ بما دون كبائر الإثم ، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ، فإن ذلك معفو لهم عنه ، وذلك عندي نظير قوله جل ثناؤه : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً فوعد جل ثناؤه باجتناب الكبائر ، العفو عما دونها من السيئات ، وهو اللمم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم : " العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ، وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج ، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه ، والله جل ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم واللمم في كلام العرب : المقاربة للشيء ، ذكر الفراء أنه سمع العرب تقول : ضربه ما لمم القتل ، يريدون ضربا مقاربا للقتل . قال : وسمعت من آخر : ألم يفعل في معنى : كاد يفعل . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ . . . هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إِنَّ رَبَّكَ يا محمد واسِعُ الْمَغْفِرَةِ : واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم . وإنما أعلم جل ثناؤه بقوله هذا عباده أنه يغفر اللمم بما وصفنا من الذنوب لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش . كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ قد غفر ذلك لهم . وقوله : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : ربكم أعلم بالمؤمن منكم من الكافر ، والمحسن منكم من المسئ ، والمطيع من العاصي ، حين ابتدعكم من الأرض ، فأحدثكم منها بخلق أبيكم آدم منها ، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، يقول : وحين أنتم حمل لم تولدوا منكم ، وأنفسكم بعد ما ، صرتم رجالا ونساء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ووقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ قال : كنحو قوله : وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ قال : حين خلق آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم ، وقرأ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . وقد بينا فيما مضى قبل معنى الجنين ، ولم قيل له جنين ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يقول جل ثناؤه : فلا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، قال : سمعت زيد بن أسلم يقول فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يقول : فلا تبرئوها . وقوله : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى يقول جل ثناؤه : ربك يا محمد أعلم بمن خاف عقوبة الله فاجتنب معاصيه من عباده . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . . . عِلْمُ الْغَيْبِ . . . وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى يقول تعالى ذكره : أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله ، وأعرض عنه وعن دينه ، وأعطى صاحبه قليلا من ماله ، ثم منعه فلم يعطه ، فبخل عليه . وذكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة من أجل أنه عاتبه بعض المشركين ، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه ، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئا من ماله ، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ، ففعل ، فأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ، ثم بخل عليه ومنعه تمام